علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )
172
نسمات الأسحار
أحد ، ودنوت حتى ما كان بيني وبينها إلا ستر فقلت : يرحمك اللّه هل لك من ولد ؟ قالت : لا ، قلت : أو كان لك ولد فيما مضى ؟ قال : فتنفست صعدا ثم قالت : كان لي ولد شاب فمات ، فقصصت عليها القصة ، فبكت وانتحبت حتى تحدرت منها الدموع ثم قالت : يا صالح ذلك قطعة من كبدي والحشاء من كان بطني له وعاء وثديي له سقاء ، وحجري له وطاء ، ثم دفعت لي ألف درهم ، وقالت : يا صالح بالذي أكرمك بهذه الخطوة ورضى لك هذه الدرجة ، فتصدق بهذه الدراهم عن حبيبي وقرة عيني واللّه شهيد على أن لا أنساه بأحسن الدعاء وأطيب الذكر وأفضل الصدقة ما اتصل عمرى وتراخى أجلى ، قال صالح : فخرجت من عندها وقصدت إلى أول من علمته من أهل الصدقة فابتدأت فيها الصدقة ولم أزل أفرق عن الشاب جميع الدراهم حتى أنفذتها عنه رحمة اللّه عليه ، فلما أقبلت الجمعة الأخرى أقبلت إلى الموضع وصليت ركعتين وارتقبت الفجر وأنا مسند ظهري إلى جدار مقبرة من تلك القبور وغفيت فإذا أنا بالقوم قد خرجوا على مثل الحالة الأولى وإذا أنا بالغلام في جملتهم عليه ثياب بيض فرحا مسرورا حتى دنى منى فسلم علىّ ، وقال : يا صالح أجزاك اللّه عنى خيرا فقد وصلت إلى الهدية التي جعلك اللّه سببها وأدخل على السرور سرك اللّه في دنياك وأخراك ، قال صالح المرئ : فقلت له : يا فتى أتعرفون الجمعة وأنتم في عساكر الأموات فقال : نعم فإن الطيور في الهوى ليعرفون الجمعة ويقولون : سلام سلام ليوم صالح يعنى يوم الجمعة . والأخبار في هذا كثيرة جدا لكن عدلنى عن ذكرها التطويل وفي هذا القدر كفاية وأسأل اللّه تعالى التوفيق لما يرضيه والهداية وأستمد منه نفحة من نفحات أهل العناية وما ذلك على اللّه بعزيز ، ومن لجأ إلى كنفه فقد لجأ إلى حرز حريز وسنح لي أن أذكر فصلا في فضل الجمعة لما تضمنه آخر كلام صالح المرئ مترجيا دعوة صالحة من قارئه تغيثنى بقبرى . * * *